اتهام الجزائر لدبلوماسية المغربية في ظل تراكم الانتكاساتها

“كل مصيبة تصيبنا فهي من المغرب”، هكذا يقول حال النظام الجزائري جهارا نهارا على لسان وسائل إعلامه التي لا يكاد يمر يوم واحد إلا ويكون اسم المملكة حاضرا بقوة فيها، تختلق الأخبار وتربط بين “الممكن والمستحيل”، لا لشيء إلا لإرضاء “النزوات السياسية للنخبة الحاكمة في البلاد”، فتارة تتهم المغرب بـ”إغراق الجزائر بالمخدرات”، وتارة أخرى بـ”التورط في حرق الغابات” و”التخطيط لضرب استقرار البلاد”..
آخر فصول “هوس وسائل الإعلام الجزائرية بالمغرب” وتبنيها خطابا “يغلب عليه طابع النكتة” تجاه الرباط، اتهامها المغرب بالوقوف وراء “الدعوات الفرنسية الأخيرة لإعادة مراجعة اتفاقية الهجرة التي وقعتها باريس مع الجزائر في العام 1968″، و”السعي إلى إفشال الزيارة المرتقبة للرئيس الجزائري إلى باريس”، في محاولة لصرف النظر عن الأسباب الحقيقية للتأجيل المتكرر لهذه الزيارة، الذي ذكرت تقارير إعلامية أنه يعود إلى “خلاف في أجندتها وعدم تلقي تبون أي ضمانات للتعامل معه كرئيس دولة”.
وسائل الإعلام الجزائرية ذاتها ربطت بين الزيارة الأخيرة لرئيس حزب الجمهوريين الفرنسيين، إريك سيوتي، إلى المملكة والموقف الإيجابي الذي عبر عنه حيال قضية الصحراء المغربية، وبين دعوة شخصيات فرنسية يمينية إلى مراجعة الاتفاقية سالفة الذكر، للقول إن “ملامح المؤامرة الثلاثية ضد الجزائر بدأت تتضح”، في إشارة إلى ما كانت قد تناقلته صحف محلية عن وجود “خطة استخباراتية فرنسية مغربية إسرائيلية لإثارة مشاكل داخلية في الجزائر”.
ويبدو أن “سردية المؤامرة” هذه أصبحت مغرية كثيرا للإعلام الجزائري وللسياسيين الجزائريين على حد سواء، لما تتمتع به من قدرة خارقة على التمرد على العقل والمنطق والإبداع في حبك الحكايات والأساطير التي تزيد وسائل الإعلام من قابليتها للتصديق، لتستحق بذلك الجزائر مكافأتها بتسجيلها في موسوعة غينيتس للأرقام القياسية كأكثر دولة توجيها للاتهامات كلما حلت بها ضائقة داخلية.
ويرى محللون أن الجزائر باتت “تعاني من أزمة خطاب على كافة المستويات”، وتحاول “التغطية على فشلها في تدبير شؤونها الداخلية والخارجية من خلال الاستمرار في سياستها العدائية تجاه المغرب”، إذ يشتد “سعار” هذه الخطابات المعادية كلما نجحت المملكة في تحقيق تقدم في تدبير ملف قضيتها الوطنية.
الأزمة والخطاب
الحسين كنون، رئيس المرصد المغاربي للسياسة الدولية، قال إن “خطاب النظام السياسي الحاكم في الجزائر، ومعه الإعلام، يعيش أزمة كبيرة تتجلى مليا في معاداة المملكة عبر تجييش الصحف والفضائيات والمنظمات الحقوقية لضرب مكتسباتها”.
وأضاف المتحدث لهسبريس أن “هذه المحاولات ستبوء بالفشل، لأن المملكة دولة مؤسسات ساقت طريقها نحو الريادة على كافة المستويات، وتتمتع بسمعة دولية جيدة. وبالتالي، فإن الجزائر تحاول إعاقة هذا التقدم المغربي وإيهام الشعب الجزائري بأن المغرب يهدد الأمن القومي للجزائر، في محاولة لتصريف أزماتها الداخلية، في حين إن العكس هو الصحيح”.
وتابع بأن هذه الأزمة تظهر جليا في “عدم تجاوب الجزائر مع النداءات المتكررة للمغرب على أعلى المستويات من أجل فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين، وإصرارها على العداء لكل ما هو مغربي”.
وخلص كنون إلى أنه رغم كل هذه الاعتبارات، “سيبقى المغرب دولة قوية بمؤسساته الدستورية، وبشعبه الوفي وبمغاربة العالم الذين يمثلون صورة البلد في الخارج، وبتاريخه الذي يمتد لقرون، وبثقافته وحضارته التي جعلت منه نموذجا للتعايش وتجسيدا حقيقا لإرادة العيش المشترك”.
تغطية الفشل
سعيد بركنان، إعلامي ومحلل سياسي، قال إن “الجزائر أصبحت تعتقد أن أي تحرك للمغرب، سواء في المجال الدولي أو الإقليمي أو حتى في المجال العربي، هدفه التآمر ضدها”، مضيفا أن “البنية السياسية الهشة التي يعاني منها النظام داخليا يحاول أن يقويها بنظرية المؤامرة، وهي محاولة أيضا لتغطية فشله في مواكبة النجاحات التي حققها المغرب في تدبيره لملف وحدته الترابية”.
وحول الادعاءات الجزائرية بأن المغرب سعى لإفشال زيارة عبد المجيد تبون إلى باريس، رد المتحدث ذاته بأن “تنسيق الزيارات ما بين رؤساء الدول يتم على مستوى التمثيليات الدبلوماسية، ويتم التفاوض قبلا على أجندة الزيارة وأهدافها. وبالتالي، فإن ادعاء تدخل المغرب في هذا الإطار لا ينبني على حقيقة، بل ينطوي على عبثية”، مضيفا أن “الغاية من ذلك تبرير فشل هذه الزيارة بسبب عدد من النقاط الخلافية بين الجزائر وباريس”.
وختم بركنان حديثه مع جريدة هسبريس الإلكترونية بالقول إن “النظام العسكري في الجزائر عمل في السنوات الأخيرة على تغييب الأحزاب السياسية ووسائل الإعلام وفعاليات المجتمع المدني من المشهد السياسي، وتضييق هامش تحركاتها مع توسيع آليات القمع والتضييق على الحريات”.