يثير مخاوف القوى السياسية بالجزائر مشروع قانون الأحزاب

رغم التعديلات التي أدخلتها الحكومة الجزائرية على المسودة التمهيدية لمشروع القانون الجديد للأحزاب في البلاد، لا يزال هناك جدل ومخاوف لدى بعض الأوساط والنخب السياسة من أن يؤدي إقرار مشروع القانون إلى فرض مزيد من القيود على الحياة الديمقراطية في البلاد.
وبحسب صحيفة “النهار الجديد”، المحلية، فقد كانت الأمينة العامة لحزب العمال اليساري، لويزة حنون، قد ذكرت في ندوة صحفية، الأربعاء الماضي، أن رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، قد أبدى رغبته في توسيع الاستشارة مع القوى السياسية بشأن قانون الأحزاب الجديد. وأوضحت أنها”طرحت ملاحظات الأحزاب على المسودة الأولى من مشروع قانون الأحزاب”.
وقبل ذلك، ذكرت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية في أغسطس الماضي، أن تبون أكد أنه سيتم مراجعة قانون الأحزاب السياسية، مشيرا إلى أن الأحزاب “حرة في تسطير برنامجها السياسي الخاص بها، غير أن القاسم المشترك الذي يجب أن يكون حاضرا هو الوحدة الوطنية وبيان أول نوفمبر الذي يدعو إلى بناء دولة ديمقراطية اجتماعية”.
وأضاف أن “كل ما من شأنه تدعيم الجبهة الداخلية وكل ما له صلة بالخط الوطني مرحب به”.
ودعا في هذا الصدد إلى “تجاوز الأساليب البالية” في النشاط الحزبي والتركيز على “العمل الفعال القائم على تجنيد المناضلين من الشارع الذي أصبح، بعد الحراك المبارك الأصيل، لا أحد بإمكانه تحويله عن مساره”.
وفي الإطار ذاته، تطرق تبون، بحسب الوكالة الرسمية، إلى بعض نقاط الاختلاف مع عدد من الأحزاب، مشيرا على سبيل المثال إلى دعوة بعض هذه التشكيلات السياسية إلى إطلاق سراح المتورطين في قضايا نهب المال العام وتهريبه إلى الخارج في حال تعاونهم لاسترجاعها، بسحب قوله.
ولم تحدد الحكومة موعدا لتصويت البرلمان على مشروع القانون الجديد، فيما تتجه الأنظار الآن إلى الأحزاب سواء الممثلة في البرلمان أو تلك التي خارجه لإبداء مواقفها بشأنه.
وعن حاجة البلاد إلى قانون جديد، قال أستاذ العلوم السياسية، الدكتور توفيق بوقعدة: “القوانين بشكل عام تحتاج إلى إعادة تجديد وتحديث وفقا للمستجدات الحاصلة والقوانين الناظمة للعملية السياسية”.
وأضاف: “بعد الحراك الشعبي المبارك (الذي أدى إلى إنهاء حكم الرئيس الراحل، عبد العزيز بوتفليقة)، عرفت الجزائر دستورا جديدا، وكذلك قوانين عديدة لتنظيم الحياة السياسية، وبالتالي لابد أن يكون هناك إعادة نظر في قانون الأحزاب الذي يعود إلى العام 2012، حيث أن هناك الكثير من المتغيرات والمستجدات التي شهدتها البلاد على مستوى العمل السياسي”.
وشدد بوقعدة على “ضرورة إعادة النظر في النواقص والمثالب التي كانت موجودة في القانون القديم”.
وبحسب ما ذكرته بعض قيادات الأحزاب لـ”وكالة أنباء العالم العربي”، فإن بعض الأحزاب لديها مخاوف بشأن مشروع القانون، والذي قالت وزيرة العلاقات مع البرلمان، بسمة عزوار، إن نصَّه سيُعرض للمناقشة في الدورة البرلمانية الحالية.
“متهم وليس شريكا”
وفي هذا الصدد أكد عضو المكتب السياسي لحزب “جيل جديد”، حبيب براهيمة أن مشروع القانون الذي أطلع على بنوده يهدف إلى غلق “مساحات الحرية أمام الأحزاب الجزائرية، والتضييق على عملها وأنشطتها”.
وأشار براهيمة إلى المادة التي تنص على فرض التداول على قيادات الأحزاب”بعهد واحد مدته خمس سنوات كأقصى حد، ويمكن تجديدها مرة واحدة على الأكثر”، وذلك بحجة الحد من تمسك قيادات الأحزاب بمناصبهم لفترات طويلة.
ويرى براهيمة أن ذلك يعد تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية للحزب، موضحا أن ذلك يلغي نضالات وجهود الأحزاب عبر سنوات أو عقود طويلة وينزع عنها مصداقيتها وأسسها الإنسانية والسياسية.
وفي نفس السياق، يرى بوقعدة أنه وعبر ما تسرب من بعض نصوص المشروع الجديد، يعتبر “بمثابة قانون عقوبات للعمل السياسي، أكثر من أنه يسعى إلى تنشيط العمل الحزبي”.
وشدد على أن “أول نقطة تعاب عليه هو استفراد السلطة بصياغة نصوصه وبنوده دون حدوث مشاورات واسعة بين أطياف الطبقة السياسية في البلاد”.
وتابع: “الكثير من مواد القانون تدخل في إطار صلاحية الأحزاب الداخلية وليس للسلطة الحق في تحديدها خاصة في ما تعلق بتداول قيادات الأحزاب والتي جرى تحديدها بعهدة (فترة) واحدة مدتها خمس سنوات وتجديدها مرة واحدة على الأكثر، وبالتالي هذا بتقديري تدخل في العمل الداخلي للحزب، بينما المفروض لكل مناضلي كل حزب تحديد طرق التداول السلمي لقيادتهم”.
وبشأن فصل عمل الأحزاب عن الجمعيات والنقابات المهنية، رأى براهيمة أنه وفقا لمشروع القانون الجديد سوف تملك وزارة الداخلية صلاحيات كبرى للتدخل في عمل الأحزاب وتحالفاتها السياسية، مضيفا: “وهذا سوف يضع الأحزاب السياسية في موضع المتهم وليس في موقع الشريك الفاعل في بناء حياة ديمقراطية سليمة وصحية”.
من جهته، يرى بوقعدة أنه “من الناحية العملية لا يمكن فصل العمل السياسي عن العمل النقابي والجمعي، كما أن كثيرا من الأحزاب تلجأ إلى التعون مع تلك الجمعيات والنقابات من أجل التنشئة السياسية وتنشئة قيادات الحزب المستقبلية على العمل السياسي”.
وزاد: “وبالتالي فإن فك الارتباط بين الأحزاب والنقابات والجمعيات سوف يضر بالعمل الحزبي والعمل النقابي، حيث إنه لا يمكن تحديد ميول واتجاهات المواطنين ومنعهم من الجمع بين العمل النقابي والعمل الحزبي في نفس الوقت”.
ونوه براهيمة وبوقعدة إلى أن القانون سوف يقيد حرية التعبير عن الرأي داخل مقار الأحزاب، من خلال منع الاحتجاجات النقابية في مبانيها.
وأوضح بوقعدة في حديثه إلى موقع “الحرة” أن ذلك سوف “يؤدي إلى تقييد النشاطات الاحتجاجية التي لا تحصل على تراخيص في الفضاء العام، ولذلك تلجأ الشخصيات النقابية والحقوقية إلى مقار الأحزاب لعقد ندوات أو مؤتمرات صحفية للتعبير عن آرائهم واعتراضاتهم”.
وفي منحى متصل، أعرب براهيمة عن أمله أن لا يتم تصديق مشروع قانون الأحزاب بصغيته الحالية، مطالبا بحدوث مشاورات أعمق وأوسع “حتى لا تحدث زعزعة خطيرة في الحياة السياسية داخل البلاد”.
ورأى بوقعدة أن مسودة القانون “قد أنهت الجدل الذي كان قائما بشأن إمكانية عودة نشاط الحزب المنحل (الجبهة الإسلامية للإنقاذ)، وبالتالي جرى القضاء على أي محاولة لعودة نشطائه إلى العمل السياسي، وذلك بالرغم من أن ذلك يعتبر تعديا على الحرية الشخصية لهم ما دام لا يوجد نص قانوني أو حكم قضائي يمنع من مزاولة نشاطهم السياسي، وعليه يجب حظر العمل السياسي لشخص معين بحكم قضائي بات”.
وخلص الأكاديمي الجزائري إلى أن مشروع القانون الجديد قد جاء من “أجل ضبط العمل السياسي الحزبي وفق رؤية السلطة وعدم الخروج من إطارها من خلال جعل العمل السياسي أمرا تكنوقراطيا أكثر منه أمرا يرتبط بانتقاد السلطة وتصويب سياساتها”.